بين الصوت والصمت
كان سامر يحب الجلوس بجانب نافذة غرفته كل صباح، يحتسي قهوته ويتأمل الشارع. منذ سنوات، لم تعد الأيام تمر كما كانت. أحيانًا كان يسمع صوتًا يناديه باسمه، واضحًا إلى درجة تجعله يلتفت ظنًا أن أحدًا يقف خلفه، لكنه لا يجد أحدًا.
في البداية ظن أن الأمر مجرد إرهاق، ثم بدأت الأصوات تتكرر. كانت تهمس أحيانًا، وتجادله أحيانًا أخرى. صار يشك في أشياء لم يكن يشك فيها من قبل، حتى أصبح يخشى الخروج من المنزل.
لاحظت أخته ليلى التغير الكبير في شخصيته. لم تعد تلومه أو تسخر منه، بل جلست بجانبه ذات مساء وقالت:
“مهما كان ما تمر به، لن تواجهه وحدك.”
كانت تلك الجملة بداية التغيير.
بعد زيارة الطبيب، شُخِّص سامر بالفصام. لم يكن التشخيص نهاية حياته كما تخيل، بل كان بداية لفهم ما يحدث له. بدأ العلاج الدوائي، وحضر جلسات العلاج النفسي، وتعلم كيف يميز بين ما يفرضه المرض وما يحدث في الواقع.
لم تختفِ الأعراض في يوم وليلة، لكن الأصوات أصبحت أقل حدة، والخوف بدأ يتراجع. عاد تدريجيًا إلى عمله في تصميم الجرافيك، واستعاد هوايته في الرسم. كان يرسم مدنًا يغمرها الضوء، وكأن كل لوحة تقول إن الأمل يمكن أن يتسلل حتى إلى أكثر الأماكن ظلمة.
في أحد المعارض، وقف سامر أمام إحدى لوحاته، وسأله زائر:
“هل هذه اللوحة تعبر عن الانتصار؟”
ابتسم وقال:
“لا… إنها تعبر عن الاستمرار. الانتصار ليس أن تختفي كل الصعوبات، بل أن تتعلم كيف تعيش معها دون أن تمنعك من أن تكون نفسك.”
خرج سامر من المعرض وهو يعلم أن رحلته لم تنتهِ، لكنها لم تعد رحلة خوف، بل رحلة تعافٍ وتقبل، يرافقها العلاج، ودعم عائلته، وإيمانه بأن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل شجاعة.




